من لبنان غرب الجناح العربي الأسيوي، إلى شرقه، إلى العراق، المجال الأهم للتماس والتداخل السامي الفارسي أولاً، فالعربي الفارسي تالياً، ومرة أخرى يدخل العراق كعنصر لا غنى عنه في قراءة وتفسير السلوكيات الفارسية حيال الإطار العربي الإسلامي.

تم التطرق سابقاً للحرب العراقية الإيرانية والتي أزالت عن العالم، والشعوب العربية، الغطاء الكثيف لشعارات العداء الإيراني في العهد الخميني "للشيطانين" أمريكا وإسرائيل، بعكس ما كان قائماً بالفعل من تعاون بين الدول الثلاث.

الآن سننتقل بشكل مقتضب إلى قراءة إيران ولاية الفقيه من خلال الملف العراقي أعقاب الغزو الأمريكي المباشر واحتلال العراق والقضاء على سلطته السياسية ذات التوجه القومي العروبي، ونركز أكثر على تداعيات الغزو الأمريكي في بروز القاعدة وداعش على الساحة العراقية، وعلاقة إيران بالأمر.

تولى الأمريكيون إدارة العراق مباشرة في البداية، ثم عبر وكلاء لها، الجلبي ثم علاوي، إلا أنهما لم يكونا يتمتعان بقدر يُذكر من القاعدة الشعبية، كما أن اتجاهاتهما العلمانية، إلى حد ما، لم تكن تخدم فكرة تنشيط الطائفية الدينية في المنطقة فلجأ الأمريكيون إلى إيران ولاية الفقيه، عبر الأذرع الجاهزة الموالية لإيران، السياسية والعسكرية، كحزب الدعوة، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وفيلق بدر وجيش المهدي، واستطاع أنصار ولاية الفقيه العراقيون بفضل الإمكانيات المتاحة على كافة الأصعدة، خنق الأصوات الشيعية المعارضة، مثلما فعل نظراؤهم الإيرانيون من قبل، ثم انخرطوا بلا هوادة في أعمال انتقامية من العراقيين تحت مسميات مختلفة، منها اجتثاث البعث، وحل الجيش العراقي، وهي مسميات تحولت من صبغتها السياسية في كثير من الأحيان إلى تصفيات جسدية، وعلى مسار خدمة الأجندة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، جر عملاء ولاية الفقيه العراق إلى مستنقع طائفي لم تقتصر مفاعيله على العراق فحسب، ويمكن اعتبار مشهد ومكان إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين تدشينا أمريكاً إيرانياً للمنعطف الطائفي، وللتذكير والتنويه، فقد وافق الأمريكيون على إعدام الرئيس في مقر الشعبة الخامسة التابعة للمخابرات العراقية، وهي الشعبة الخاصة بالتعامل مع النشاطات الإيرانية.

تمكن نظام العراق بنجاح كبير من مواجهة التنظيمات الدينية المتطرفة بكافة مسمياتها، إلا أن مجموعة من شباب العراق تأثروا كثيراً بما وصف بحركة الصحوة في المملكة العربية السعودية، التي يمكن اعتبارها إحدى تداعيات فشل محاولة المتشدد جهيمان العتيبي في السيطرة على الحرم المكي، ودعوته لإسقاط النظام السعودي أسوة بما فعل الإيرانيون في القضاء على حكم الشاه، وبدأ احتكاك بعض الشباب مباشرة بالاتجاه السروري أحد المكونات الصحوية، وتقوم في أساسها على إحياء السلفية الجهادية، وفي العام 1997م أعلن جهاديون عراقيون في منطقة على الحدود الإيرانية، بمحافظة السليمانية بكردستان العراق، تأسيس جماعة أنصار الإسلام التي توافر لها في العام التالي الدعم والإسناد من المخابرات الإيرانية التي اشتهر إرتباط الجماعة بها، بهدف القيام بعمليات عسكرية ضد ضباط الأمن والمخابرات والقيادات البعثية، وكان من بين نشطاء أنصار الإسلام أحمد الخلايلة المشهور بـ"أبو مصعب الزرقاوي" الذي تردد على إيران، وأسس لاحقاً مع مجموعة من أنصار الإسلام "كتائب التوحيد والجهاد" بعد دخول القوات الأمريكية العراق، ونشأ بين جماعة الزرقاوي وفصائل سلفية جهادية معادية للتواجد الأمريكي في العراق تعاوناً خجلاً، ضعف أكثر عقب مبايعة الزرقاوي لأسامة بن لادن زعيم التنظيم الدولي للقاعدة وتغيير اسم جماعته إلى "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، وكان التعاون بين الأخيرة والفصائل المسلحة يتقلص خاصة خلال معركة الفلوجة الأولى، وخداع الزرقاوي لـ"الجيش الإسلامي في العراق" وأخذه القنصل الإيراني المختطف لديهم وإطلاقه دون أي مقابل ملموس من الإيرانيين.

والحال أن علاقة القاعدة، ثم داعش بإيران ولاية الفقيه تثير الكثير من الأسئلة، فإذا كان الخطاب السياسي لابن لادن غير طائفي، ولا يعتبر أن هناك ما يدعو إلى محاربة تنظيمه لنظام ولاية الفقيه الشيعي "الرافضي" رغم الخلاف العقائدي والديني الشديد، فإن الصلات السابقة للزرقاوي كفرد بإيران، ثم كأحد نشطاء جماعة أنصار الإسلام يضع إيران في خانة المتهمين بمساندة ما للزرقاوي وجماعته التي تطورت لاحقاً إلى "تنظيم الدولة الإسلامية" أو ما عرف بتنظيم داعش، بل مما كان متداولا في بعض الأوساط العراقية أن داعش إحدى المليشيات التابعة لإيران.

هناك اتهامات لإيران بإيواء، وتهريب أفراد من القاعدة، وأقرباء لابن لادن عبر أراضيها، بعد انهيار دولة طالبان في أفغانستان، مايوحي بتعاون ما، لا سيما وأن القاعدة ثم داعش لم يقوما بعمليات أمنية وعسكرية في إيران، على خلاف استهدافات طالت دولا عربية وإسلامية، المفترض أنها من الناحية المذهبية العامة من المذهب السني الذي تؤكد فصائل السلفية الجهادية التزامها به، لكن بطريقتها الخاصة طبعاً.

ربما كان ابن لادن، كما تكشف من وثائق عثر عليها الأمريكيون أثناء عملية قتله، يعتبر قتال الدول غير الإسلامية أولوية، مع تريثه في إقامة ولايات إسلامية أو استهداف دول مجتمعها مسلم، ربما كان لذلك عازفاً هو وتنظيمه من الإضرار بإيران، هذا إذا استبعدنا أية علاقات استخبارية بين الجانبين، لكن الأمر يبدو مستغرباً مع تنظيم داعش، الذي أقنع الأب الروحي له، أبو مصعب الزرقاوي، أسامة بن لادن قبل مبايعته بأن يكون لفرع القاعدة في العراق خصوصية، وإدارة ذاتية، تجعل الحرب الطائفية ضد الشيعة أولوية، والشروع في إقامة دولة إسلامية، بحجة أن استهداف الشيعة سيزيد من شعبية وقوة القاعدة في الأوساط السنية العراقية المستاءة من السلوكيات الطائفية للحركات والسياسيين الشيعة المسيطرين على مفاصل الدولة العراقية، وبالتالي كان من الطبيعي وفقاً للمنطق الطائفي لداعش أن تقوم بعمليات ضد إيران والموالين لها من شيعة العراق، خصوصاً أعقاب السيطرة الجغرافية لداعش على مناطق واسعة من العراق بينها محافظات تمتلك شريطاً حدودياً طويلاً مع إيران، لكن ما حدث، باستثناء عمليات استهداف مراقد شيعية عراقية، إضعاف الفصائل الوطنية والسنية العراقية، وإعلان أبو بكر البغدادي، الذي نصب نفسه خليفة للمسلمين، السعودية رأس الأفعى، لا إيران، حسب ما يتبادر إلى المنطق الداعشي الطائفي، تجاه العراقيين عملياً المتصاعد على أثر انشقاق داعش عن القاعدة بعد مقتل بن لادن.

بمحاولة لتفسير، صلة دور داعش في العراق، وفي سوريا أيضاً، بإيران، نستطيع التأكيد على أن داعش وفر سياسياً وعسكرياً خدمة جليلة لنظام ولاية الفقيه، أحد جوانبها إيجاد دفعة جديدة للانقسام وعدم الاستقرار في العراق، وإشغاله عن أدائه دوراً يتناسب مع قوته – في الوضع الطبيعي – في القضايا العربية، وكذلك مكنت داعش من توفير غطاء، مقبول ومشروع دولياً ، للمزيد من التوغل والتحكم الإيراني في العراق سواء بالتواجد المباشر للحرس الثوري الإيراني، أو بتقوية أذرعها الطائفية هناك وتجميع الكثير من التشكيلات المليشاوية التابعة لها في ما سمي ب"الحشد الشعبي" وأعطائه صبغة رسمية، دستورية وقانونية، من جهة تعتبره أحد مكونات الجيش العراقي، ومن جهة ثانية تؤكد استقلاليته، أما الهدف السياسي والطائفي الاستراتيجي فيتمثل في تقديم صورتين أساسيتين للإسلام في العالم، أولاهما، سلبية يعبر عنها الإسلام السني الذي فرخ السلفية الجهادية والحركات الإرهابية، والثانية، إيجابية ويمثلها الإسلام الشيعي الفاعل دولياً في محاربة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، وهو الإسلام الذي يدور سياسياً حول الدولة الشيعية الإيرانية.

 ويجب أن تكون إيران ولاية الفقيه هي محور الإسلام الشيعي في تصور قادتها، ولهذا السبب لن يقبلوا بعراق مستقر وقوي حتى في ظل دولة يحكمها شيعة متدينون، ولو على منوال ولاية الفقيه، فذلك سيعني بشكل أو بآخر تحول قبلة شيعة العالم من طهران إلى بغداد التي يرقد على تربتها أهم أئمة الشيعة، وتضم في جغرافيتها المناطق المقدسة لدى الشيعة، النجف وكربلاء.

 

سلسلة حلقات تنشرها وكالة 2 ديسمبر من ملف بعنوان (السرطان الفارسي) – الحلقة الـ16

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية