من المهد إلى اللحد، وطوال عمره الممتد لـ85 عاماً، عاش الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح مؤمناً بالنظام الجمهوري، ومناضلاً في سبيل قيامه، ومن ثم الدفاع عنه في مواجهة الكهنوتيين الجدد.
 
فحين كان طفلاً في الثانية عشر من عمره ترك المقال صنعاء إلى حجة ليكون بالقرب من والده الذي كان في السجن بتهمة التعاون مع الثوار الذين زج بهم الإمام أحمد حميد الدين في غياهب السجون، بعد فشل ثورتهم الكبرى سنة 1948م على أبيه الإمام يحيى حميد الدين، وقد شارك في هذه الثورة عدد كبير من العلماء، والقادة، والمفكرين أمثال: عبد الله الوزير، وحسين الكبسي، والفضيل الورتلاني (عالم جزائري)، والشاعر أحمد المروني، والأستاذ النعمان (أحمد محمد نعمان)، والشاعر محمد محمود الزبيري وغيرهم. 
 
يقدم الشاعر المقالح خلاصة علاقته بالجمهورية في نص قصير يحمل من التكثيف الكثير، فهو يرسم معالم الخط السياسي للمقالح المنحاز لثورة 26 سبتمبر في مواجهة النظام الإمامي الذي قسم الناس إلى فئات وطبقات، منها ما يحظى بالامتيازات، بينما بقية الشعب في خدمة الطبقة الحاكمة، فيقول:
جمهوريًّا جئتُ
وجمهوريًّا عِشتُ
وجمهوريًّا سأموتْ..
أؤمنُ باللهِ العادِلِ
وبأنَّ الناسَ سواسِيةٌ في الحُبِّ
سواسيةٌ في الخبزِ
سواسيةٌ في الموتِ
سواسيةٌ في الجنَّةِ أَو في النّارْ.
 
الشاعر زين العابدين الضبيبي قال لـ"2 ديسمبر"، إن "حكاية الدكتور المقالح مع الجمهورية تبدأ منذ سجن والده في حجة ومعه نخبة من الأحرار وأبطال ثمانية وأربعين الذين تعلم على يدهم القراءة والكتابة وقرأ ما كان يصلهم من كتب وهو يهربها إليهم. ومن تلك الأيام وهو في سن الطفولة تشرب الإيمان بأهمية تحرر البلاد من النظام الكهنوتي المتخلف، وبحسب محمد الفسيل في كلمة ألقاها في منتدى منارات فقد كان منزل الدكتور عبدالعزيز المقالح معقلاً من معاقل الثورة تخطيطاً وتنظيماً، ثم قراءة للبيان، ثم اختراع فكرة إعلان بيانات التأييد للثورة قبل التأييد الحقيقي باسم بعض الألوية ما شجع الألوية الأخرى على إعلان التأييد بحسب رواية شخصية حدثني بها اللواء علي عبدالله السلال بحضور بعض الزملاء، واستمر الأمر في المساندة الثقافية والفكرية للثورة وتعزيز الوعي الجمهوري والكتابة عن رموزها وتخليد سيرهم ومآثرهم وهو ما يمكن التمثيل عليه بكتبه من الأنين إلى الثورة، وكتابه عن الزبيري وآخر عن الحورش وغيرها من الكتب له ولغيره التي أشرف على طباعتها في مركز الدراسات والبحوث إضافة إلى مئات وعشرات المقالات التي ظل يكتبها طوال حياته إلى قبل وفاته بعامين في الصحف اليمنية، والمقدمات لكتب المناضلين والثوار كتقديمه لديواني محمد ناصر صبر العنسي وديوان صالح سحلول وغيرها".
 
ويضيف الضبيبي، "ومن أهم أدوار المقالح الجمهورية هو تمثله لأهدافها والعمل على تحقيقها من خلال الثورة التعليمية التي حدثت أثناء ترؤسه للجامعة فقد جسد قيم المساواة ومجانية التعليم واتاحته للجميع، وهل هناك وسيلة أقدر من التعليم على ترسيخ القيم التي نادت بها الجمهورية، هكذا عاش المقالح وهكذا مات جمهورياً فحتى في موته لم يسمح للإمامة الجديدة أن تستغله وأوصى أن تكون جنازته شعبية كواحد من الناس تخرج من جوار منزله ويدفن بجوار رفاقه من الثوار".
 
وهذا التوجه الجمهوري كان يمثل إزعاجاً للإماميين الجدد، الذين حاربوا المقالح، وأرادوا طمس اسمه من وجدان الشعب عبر حذف قصيدته الشهيرة "عشاق الكرامة" التي كتبها عند قيام ثورة سبتمبر من المنهج الدراسي، واستبدالها بقصائد شاعر الجماعة الكهنوتية، وهي القصيدة التي يقول فيها:
سلمت أياديهم بناة الفجر عشاق الكرامه
الباذلين نفوسهم لله في (ليل القيامه)
وضعوا الرؤوس على الأكف ومزقوا وجه الإمامه
صنعوا ضحى (سبتمبر) الغالي لنهضتنا علامه
خرجوا فلم تيبس على افواههم شمس ابتسامه
يتمردون على الظلام ويبصقون هنا نظامه
 
وبوفاة المقالح تبقى قصائده الجمهورية حاضرة في وجدان الشعب وصدورهم، لتؤرخ لنضاله الجمهورية مشاركاً في ثورة سبتمبر ومدافعاً عنها وعن أهدافها بالكلمة والقصيدة التي لا تموت.

 

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية