ما تشهده محافظة تعز من حراك سياسي، يمكن اعتباره الأهم في تطورات اليمن عملياً في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يمكن النظر إليه من عدة زوايا، سأحاول إجمال أبرزها فيما يلي: 
 
- أولاً: مكانة تعز التاريخية والجيوسياسية وصولاً إلى تأثيرها على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، مجتمعاً وناساً؛ إذ إن هذه المحافظة تكاد تكون أكثر المحافظات المؤهلة لتقوم بدور يتناسب مع مكانتها كقلب لليمن، ناهيك عن متطلبات استكمال تحرير المحافظة وفرض الأمن والاستقرار وما يمكن أن يشكله ذلك على مستوى معركة استعادة الدولة اليمنية من الإمامة.
 
ثانياً: إن ما تشهده تعز، من لقاءات وتقاربات سياسية، كان أبرزها مؤخراً، تدشين مقر فرع المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، وقبل ذلك، زيارة عضو المجلس الرئاسي طارق صالح إلى التربة وما رافقها من لقاءات ورسائل، وصولاً إلى الاجتماع الذي ضم قيادة إصلاح تعز وممثلين عن المكتب السياسي، وحتى الاجتماع الذي ضم مختلف الأحزاب؛ كلها تضمنت رسائل موحدة بشأن أولويات تحرير تعز وطرح خلافات الماضي جانباً وبدء مرحلة جديدة. 
 
هذا التطور ليس وليد اليوم في الواقع ولا هو مفاجئ؛ بل هو ما كان يجب منذ البداية، وقد جاء ليكلل مرحلة طويلة من جهود ودعوات توحيد الصف الوطني، ونعلم جميعاً أنه لولا الخلافات السياسية بين القوى والأحزاب الأساسية ما كان للحوثي أن يسطو على الدولة وما كانت البلاد لتصل إلى ما وصلت إليه.
 
 أما اليوم فهناك واقع يقول إنه من لم يطرح الماضي جانباً، فإنه يجني على نفسه قبل غيره، خصوصاً أن العوامل الذي كانت تغذي الخلافات الحزبية والسياسية وغيرها، انتفت عملياً، ولم يعد هناك من يخشى الآخر، وهناك عدو مشترك، وضروروات وطنية ملحة لا تقبل خياراً بين اثنين. ومن المهم في السياق، أن نشير إلى الدور الإيجابي الذي لعبته مشاورات الرياض بدعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وما خرج عنها، بحيث مثلت داعماً إضافياً، اختصر الطريق على بعض العقبات التي كانت تحول دون تحويل دعوات المصالحة إلى خطوات على أرض الواقع. وإن كان ما نراه ما يزال خطوات في طريق طويل مليء بالتحديات. 
 
فهنا يأتي الجزء الثالث، والمتمثل بما تفرضه تطورات تعز على حسابات الحوثي ومن يحركه إقليمياً ودولياً؛ فتعز، في ضوء ما تشهده من تطورات ورسائل إيجابية، تعني ساحة مختلفة، على الحوثي أن يحسب لها ألف حساب، ليس على مستوى المحافظة؛ بل على مستوى اليمن. 
 
في ضوء كل ما سبق، وما لا يتسع المقام لذكره، يمكن القول: إن تعز التي دفعت، وتدفع الثمن الأقسى في حرب الحوثي ومليشياته، هي اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل المحنة إلى انتصار يعيد لها مكانتها ويضعها في مكانها وتأثيرها السياسي الطبيعي، خصوصاً وأن عامل القوة يجب ألّا ينقصها بعد التحولات الأخيرة. 
 
على الجانب الآخر، تقول التجارب إننا مثلما نبارك ونشد على أيدي الأحزاب والقوى السياسية والعسكرية والقيادات المحلية في تعز، أن تمضي في هذا الطريق؛ ندرك- أيضاً- حجم التحديات، وأن هناك من سيحاول التأثير على محاولة ترتيب الصف الوطني؛ لكن هذا- أيضاً- ما تعودنا عليه كثيراً ولا شيء يجبر اليمنيين على الوقوع في ذات الخطأ، وهم يعلمون تمام العلم، أين أوصلت البلادَ العداواتُ السياسية والصراعاتُ الضيقة. نحن أمام فرصة يجب أن تمضي في تعز ومن تعز لكل اليمن، ويجب العض عليها بالنواجذ.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية