أولاً: خوفاً من رمزيته وإمكانية أن يصبح عهده، وتركته السياسية؛ مشروعاً ينتهي بإسقاطهم كما أسقطت الإمامة روح ومضمون الجمهورية بعد 60 عاما على قيامها.
 
وذلك أمر ممكن فصالح كان آخر وأهم تطور طبيعي للنظام "الجمهوري"؛ وفي عهده انتقلت البلاد إلى نظام المشاركة العامة والتمثيل المتساوي والديمقراطية والتعددية والانتخابات والحريات العامة والخاصة (أي أكبر إنجازات اليمنيين على الإطلاق، رغم كل هشاشة اعترتها أو فساد حاول الهيمنة عليها) وهي جميعا النقيض الوجودي للأيديولوجيا القائمة على الاصطفاء والاستبعاد، والتمييز العرقي الذي لم يتحرجوا حتى عن النص عليه بقانون رسمي (قانون الخمس).
 
إن كل نضالٍ يمني ضد جماعة "الخمس" الآن أو غداً، لن يكون هدفه، بأكثر من معنى، إلا العودة باليمن إلى ماكانت عليه في عهد صالح، أي إلى دولة "المواطنة المتساوية"؛ الدولة التي تنظر إلى جميع رعاياها بعين واحدة، دولة الاقتراع لا دولة الولاية، دولة "الحق للجميع" في السلطة والثروة لا دولة "الحق العرقي" في الحكم والثراء، دولة الفرص السياسية والوظيفية المتكافئة لا دولة السيد والمسود، دولة الحريات العامة والخاصة لا دولة الرقابة على "اللولب" و"المانكان"، دولة الخدمات والمرتبات لا دولة الجبايات والنهب والمصادرة.
 
ويقولون دوما إن معظم تلك القيم كانت مجرد شعارات. حسنا، وجدلاً: لقد كانت شعارا وواقعا هشاً، سعى اليمنيون بمختلف مشاربهم النضالية إلى تطبيقها بنزاهة وتثبيت دعائمها بشكل نهائي. أما الجماعة فلا شعار ولا تطبيق، فضلا عن كون الديمقراطية والتعددية والحريات لديهم "مؤامرة غربية" كما تنص الملازم وضوحاً لا مواربة.
 
لايهم الحوثيين فساد صالح ولا كل التهم الأخلاقية التي يرمونه بها، بدليل أنهم يوظفون الآن بعضا من كبار الفاسدين واللصوص في عهده. وبدليل أيضا أن حجم فسادهم خلال سبع سنوات أنسى الناس فساد 33 عاما.. كلما يهمهم هو أن ينسى الناس عهده كلياً، بما هو عهد "الحرية" و "الكل سيد نفسه".. 
ولا عدو للجماعة أخطر، ولا أكثر مقتاً، من "الحرية".
 
كان صالح مجرد يمني يختلف الناس ويتفقون حوله، لم يكن "قديسا" ولا "علماً" من "أعلام الهدى" وما أخطأ فيه قد يكون أكثر مما أصاب، وهذا من حسن حظه وحظ اليمنيين، من حسن حظه وحظهم لأنه الآن، تجربةً وتركةً سياسية، هو الأمثولة الوحيدة، القريبة والطرية، لابن "الأرض" في مواجهة أبناء "السماء". ولن تتوقف المقارنة يوما بين ما كان كل "إنسان" يمني عليه في عهده وبين ما أصبح عليه في عهد من لا يعترفون بإنسانية الإنسان فضلا عن حريته.. أو مرتبه.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية