عندما يصبح المبدأ أعمق من السياسة.. شكراً الإمارات
في عالم تتقاطع فيه المصالح وتتشابك التحالفات، تبقى هناك قيم لا تخضع لميزان القوة ولا تقاس بمعايير المنفعة.. قيم تزرع في أعماق الضمير، وتنمو كالشجر متجذرةً في أرض المبدأ، ولا تهتز بعواصف الظروف المتغيرة.. الشكر الحقيقي أحد هذه القيم، وهو اختبار صادق لطبيعة الإنسان وهيئة الضمير الجمعي للأمم.
اليمن، في محنته المنكوبة بمليشيات الحوثي التابعة لإيران التي امتدت سنوات وما زالت، شهد تعابير مختلفة من الدعم والمواقف.. لكن صورة الإمارات العربية المتحدة ظلت متميزة في ذاكرة اليمنيين.. ليس فقط بسبب الدعم المادي والسياسي، بل لأنها قدمت ذلك بروح الأخوة التي تتجاوز حسابات الربح والخسارة.. قدمت دماء أبنائها، وبذلت مواردها، وانسحبت، تاركة ما بنته لمن هو أحوج إليه.. هذا النوع من العطاء يكتب نفسه في سجل التاريخ الإنساني، لا في جداول المحاسبة السياسية.
وفي المقابل، يظهر امتحان الضمير: كيف يرد الجميل؟
هنا يبرز الانقسام الحقيقي بين منهجين: منهج يرى في الشكر والتقدير واجباً أخلاقياً ثابتاً. ومنهج يعتبر كل شيء سلعة قابلة للمقايضة، يقدم الثناء اليوم وينقضه غداً بناءً على اتجاه الريح.
المنافقون في كل عصر يتبعون المسار الأخير، يغيرون خطابهم بتغير الظروف، ويستبدلون الولاءات كاستبدال الأقنعة.. أما أصحاب المبدأ، فيتشبثون بقيمهم كتشبث الجذور بالأرض، حتى لو خسروا مكاسب مؤقتة.
لقد أظهر الموقف من دعم الإمارات لليمن هذه الحقيقة بوضوح:
كثرٌ قفزوا من سفينة الامتنان عندما تغيرت الأحوال، وحولوا كلمات الشكر إلى اتهامات، ظناً منهم أن هذا الطريق سيؤدي إلى مكاسب جديدة.. لكنهم لم يدركوا أنهم يخسرون شيئاً لا يعوض: مصداقيتهم وكرامتهم. بينما اختار آخرون الوقوف على أرض المبدأ، مؤكدين أن قول (شكراً) ليس تكتيكاً سياسياً، بل هو اعتراف بقيمة العطاء الإنساني النقي.
هي مسألة ضمير لا مسألة تصنيف، وليست متعلقة بتحالفات ظرفية.. إنها مسألة شرف تمس صميم الهوية الإنسانية.. الرجال الحقيقيون لا يقيسون مواقفهم بمقياس المصلحة الآنية، ولا يبيعون كلمتهم في سوق المزايدة، هم كالصخر في البحر، لا تزعزعه الأمواج العاتية.. والشكر الصادق هو أحد تجليات هذا الصمود الأخلاقي.
في النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة:
الأمم التي تحترم نفسها، تحترم قيم الوفاء والاعتراف بالجميل.
والعطاء النابع من القلب يبقى أثره في القلوب، بغض النظر عن تقلبات الخرائط السياسية.. الشكر الذي نقدمه اليوم للإمارات، هو تأكيد على أننا كشعب يمني، نتذكر من وقف معنا في محنتنا، ليس كحساب مادي، ولكن كحق معنوي وواجب إنساني.
هذا هو الدرس الذي تعلمناه:
في عالم قد ينسى الكثير من القيم، تبقى كلمة شكراً النابعة من القلب، بصمةً لا تمحى. بصمة تثبت أن هناك ما هو أعمق من السياسة، وأبقى من المصالح، وأقوى من كل الظروف:
إنه مبدأ الشرف الذي يرفض أن يمر الجميل دون اعتراف، ويأبى أن يخون العطاء بنكران.
أجدد، كمواطن يمني، شكراً للشقيقة إمارات الخير، والشكر كذلك موصول للشقيقة السعودية.









