يعد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح من أكثر زعماء اليمن الذين استطاعوا حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود على مر تاريخها، وأزيدهم في التاريخ اليمني المعاصر على الإطلاق، ما يثير تساؤلا عن السر وراء مقدرته على حكم تنازعته قوى سياسية وأشخاص أكثر منه تأهيلا تعليميا وخبرة سياسية وقت صعوده لرئاسة الدولة في 17 يوليو العام 1978.
 
 
قراءة صحيحة
بذكاء فطري عرف صالح باكرا أن اليمن بلد من الصعب بمكان حكمه بلون واحد أو بأيديولوجية تتجاوز الروح الوسطية المتغلغلة في الشخصية والثقافة اليمنية، وبذلك التقط ما يمكن وصفه بالشفرة اليمنية، فكان تعبيرا أصيلا عن طبيعة اليمنيين السائدة عبر العصور.
 
فهل هناك مستندات مؤيدة لميول اليمنيين إلى الاعتدال، لم يدركها صالح علميا وإنما سلكها سياسة وإدارة، فقاد استقرارا قلما تحقق للبلد لفترة طويلة نسبيا.
 
الوقع الجغرافي لليمن على طريق بحري مهم للتجارة، جعلها ممرا في طريق الحرير والتوابل، بين قارات العالم القديم، وأدى إلى أن تكون أوائل الدول اليمنية المعروفة دولا تجارية مثل المعينية والسبأية، أهلت اليمنيين سلطة وشعبا لأن ينحو باتجاه الوسطية في العلاقات، لما تتضمنه العملية التجارية من طبيعة تفاوضية، وحاجة ازدهارها لعلاقات السلام أكثر من الحرب.
 
القدر الجغرافي نقل البلاد إلى قدرها التاريخي لتكوّن واستمرار الطبيعة الوسطية لشعبها، يؤكده المبدأ الشوروي الوارد بالقرآن في قصة ملكة سبأ، وتجاور ديانات اليهودية والنصرانية والوثنية من عبادة الأصنام أو مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر، وفي العهد الإسلامي نجحت شعبيا في اليمن المذاهب المعتدلة أكانت سنية أو شيعية، فساد المذهبان الشافعي والزيدي.
 
من تضافر العاملين الجغرافي والتاريخي تشكلت الشخصية اليمنية بطبيعتها الوسطية الميالة للتسامح وتفهم الآخر واستيعابه بالتنازلات، وهذا ما أدركه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بفطرته اليمنية الأصيلة.
 
 
سلوك الاعتدال
اختار مجلس الشعب التأسيسي صالح رئيسا للبلاد العام 1978، وسط معضلات سياسية، على رأسها تبعات حالة اللا استقرار التي أدت إلى مقتل رئيسين سابقين في أقل من سنة، وقوى سياسية متناحرة لأسباب محلية وأخرى انعكاسا يمنيا لخلافات الأحزاب ذات المراكز خارج اليمن، مثل البعث والناصريين، إضافة إلى مشكلة الجبهة الوطنية الديمقراطية المدعومة من نظام الجنوب بوجهته الماركسية.
 
بالنسبة للجبهة وما مثلته من ملف أمني وعسكري وسياسي، زادها تعقيدا تدخل الجيش الجنوبي ضد نظام صالح العام 1979، استطاع الرئيس بسياسته الوسطية أن يحيد مشكلة الجبهة باتفاق أغسطس 1980.
 
وفي علاقته بنظام الجنوب الوحيد في أنظمة الدول العربية القابع تحت المظلة الشيوعية، في وقت مازالت الحرب الباردة على أشدها بين المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، عقد صالح صلات جيدة معه وبذات الحين مع الأنظمة العربية المختلفة مع الدولة الجنوبية، وعمل على تحسين العلاقات حتى توجت بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية في مايو 1990.
 
سياسة الاعتدال ساعدته مرة أخرى في تحويل الطموح الجمهوري المبكر لتشكيل صيغة وطنية جامعة للقوى الجمهورية إلى حقيقة سياسية، بقيادته حوارا بين المكونات والأحزاب السياسية والاجتماعية، ذات المشارب المختلفة، انتهت سنة 1982 بتأسيس المؤتمر الشعبي العام كمظلة سياسية جامعة في الشطر الشمالي حينها، ثم استيعاب مختلف القوى بعد الوحدة في قواعد اللعبة الديمقراطية.
 
 
الملكة والرئيس والأئمة
قلة من الدول في العهد الإسلامي مدت نفوذها على طول وعرض الجغرافيا اليمنية، هي الدولة الزيادية لفترة وجيزة في القرن الثالث الهجري، والدولة الرسولية خلال نحو مئتين وخمسين سنة تمتد من القرنين السابع حتى التاسع الهجري، وفي عهد علي عبدالله صالح حديثا.
 
واتسمت تلك الدول بنهجها الوسطي وفقا لمعايير عصورها، وهذا الأمر ينطبق على الدولة الصليحية التي امتد حكمها في فترات على معظم التراب اليمني، حيث أنه رغم اعتناق زعمائها المذهب الإسماعيلي المصنف بأنه متطرف من الناحية النظرية بين المذاهب الإسلامية الشيعية، إلا أن الدولة لم تحكم بأيديولوجيتها أو حاولت فرض مذهبها على الشعب، لحد أن السيدة أروى بنت أحمد الصليحي، أطول زعماء هذه الدولة حكما، كان مسجدها في عاصمتها جبلة يدرِّس المذاهب السنية الأربعة. 
 
على العكس منها الدول الإمامية بعقائدها الطائفية والاستعلائية على اليمنيين تقاطر أدعياء الإمامة والنزاعات بين عدة أدعياء ظهروا في وقت واحد، ووصلوا أحيانا إلى أربعة في مساحة جغرافية صغيرة، ومن بين قائمة تضم 68 من أدعياء الإمامة حكم 13 منهم فقط أكثر من ثلاثين سنة، لكن في مناطق شمال الشمال وخصوصا في صعدة وبالقرب منها إلا في فترات متقطعة خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين تمكن "أئمة" من الوصول إلى صنعاء وذمار، وبقيت إب وتعز وتهامة وحضرموت مغلقة بوجوههم، ما عدا أربع سنوات في عهد شرف الدين، أما التمدد على معظم الجغرافيا اليمنية للدول الإمامية فكان في عصر الدولة القاسمية واقتصر على عقود قليلة منذ القرن الحادي عشر الهجري، في عهد المتوكل على الله إسماعيل وأولاده. 
 
وبالمجمل كانت الدول الإمامية في معظمها أقرب إلى المشيخات والسلطنات المحلية، ولم تلق قبولا لدى اليمنيين، لعوامل بعضها متصلة بعقائدها الطائفية المتطرفة، وأخرى بأساليب إدارتها للشأن العام القائمة على القمع الفج والنهب وإثارة الفتن بين اليمنيين واستغلالهم في وقود حروبها بمقابل تنصل من أي التزامات تجاههم، باعتبارهم خداما بإرادة إلهية للأئمة ولأدعياء الانتماء السلالي إلى النبي، فكانت عصورهم خلوا من أي إنجازات غير تشجيع تأليف كتب تدعم سلطانهم، مقارنة بإنجازات مادية وعلمية في دول أخرى كالصليحية والطاهرية والرسولية.
 
ومثلما أظهر اليمنيون طبيعتهم في الوسطية الدينية قبل أيام في وفاة العلامة القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، فما زالوا يظهرون هذ الطبيعة في وسطيتهم السياسية، رغم الإرهاب الفكري والأمني، بحب وتقدير تجربة الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح.
 
وكما رفض اليمنيون أسلاف الحوثيين سابقا فستلفظ الطبيعة الوسطية والمعتدلة لهم الأخيرين وتلقي بهم في مزبلة التاريخ، فاليمن لا يقبل جيفة التطرف الحوثي.

أخبار ذات صلة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية