رئيس الحكومة التونسية يرفض التنازل عن منصبه في هجوم غير مسبوق على حركة نداء تونس.

 

اختار رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، الخروج عن صمته الذي رافق السجال السياسي الذي عرفته تونس حول حكومته، بإلقاء كلمة توجه بها إلى الشعب، تضمنت مواقف حادة وُصفت بـ "القنبلة السياسية"، التي تطايرت شظاياها لتشمل حركة نداء تونس، ومجمل المشهد السياسي الذي يقترب كثيرا من الدخول في مرحلة ضبابية شديدة الانسداد.

 

وفاجأ الشاهد في كلمته غالبية الأوساط السياسية التي كانت تنتظر موقفا سياسيا يتناغم مع التوجه العام نحو نزع فتيل التوتر السياسي الذي تعيشه البلاد، عبر تسهيل تنفيذ ما جاء في وثيقة قرطاج 2، التي تعثر التوقيع عليها بسبب الخلافات العميقة بين المعنيين بها.

 

وبدا الشاهد في كلمته كأنه يريد إفهام الجميع بأن الأمور مُرتبطة أساسا بصلاحياته التي أقرها الدستور، وأنه ليس في وارد التنازل عنها، على الأقل في هذه الفترة، وذلك في ما يُشبه الاستعصاء السياسي الذي يُبقي الأزمة مفتوحة على سيناريوهات المجهول.

 

ولم يكتف الشاهد بتوجيه تلك الرسالة، وإنما ذهب بعيدا في تعقيد الموقف، حيث هاجم وبشكل غير مسبوق حركة نداء تونس ومديرها التنفيذي حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس السبسي، ليفتح بذلك الباب أمام مشهد جديد بدأت ملامحه ترتسم على وقع اصطفافات وحسابات من شأنها تعقيد المناخ السياسي العام في البلاد.

 

واتهم الشاهد في كلمته التي بثتها القناة التونسية الرسمية، حافظ قائد السبسي بالتسبب في الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد، وبتدمير حركة نداء تونس التي أسسها الباجي قائد السبسي في العام 2012.

 

وقال إن "تونس تعيش اليوم أزمة سياسية، ولا بد من مصارحة الشعب بها”، ثم أضاف في ما يُشبه الرد المباشر على بيان حركة نداء تونس الذي طالبه بالاستقالة، أن هذه الأزمة السياسية “بدأت في حزبي، أي حركة نداء تونس، التي أصبحت اليوم لا تُشبه الحركة التي انتميت إليها في عام 2013".

 

وعلى غير عادته، لم يتردد الشاهد في تحميل نجل الرئيس التونسي مسؤولية هذه الأزمة، قائلا إن "حافظ قائد السبسي، والمحيطين به دمروا حركة نداء تونس، وقادوها إلى هزائم متتالية آخرها الانتخابات البلدية التي خسرت فيها الحركة مليون صوت من رصيدها الانتخابي مقارنة بانتخابات 2014".

 

وأكد، في هذه الكلمة التي جاءت في وقت كان فيه الرئيس السبسي في العاصمة الفرنسية للمشاركة في المؤتمر الدولي حول ليبيا، أنه سيواصل عمله كرئيس للحكومة، وأنه سيُجري تعديلات وصفها بـ "الضرورية" بناء على النقاط الـ63 التي تضمنها مشروع وثيقة قرطاج2.

 

وبعد هذا الاتهام المباشر، وبالاسم، اعتبر الشاهد أن المصلحة الوطنية هي بوصلته، وأنه ليس له أي مشروع شخصي، لافتا في المقابل إلى أن "بقاء حافظ قائد السبسي يشكل عائقا أمام وحدة العائلة الوطنية".

 

ولم يصدر أي رد فعل عن المدير التنفيذي لنداء تونس تجاه هذه الاتهامات، فيما انشغلت الأوساط السياسية بمحاولة تفكيك أبعاد ودلالات هذه الكلمة وتداعياتها على مُجمل المشهد السياسي في البلاد، حيث تباينت الآراء واختلفت بين من وصفها بأنها هروب إلى الأمام، وبين من ربطها بضجيج مناورات الربع ساعة الأخير بانتظار موقف الرئيس السبسي الذي يُنتظر أن يحسم الموقف وفقا لصلاحياته الدستورية.

 

ورغم هذا التباين، لا تتردد بعض الشخصيات السياسية منها رضا بالحاج المنسق العام لحركة تونس أولا، في وصف ما جاء على لسان رئيس الحكومة يوسف الشاهد من مواقف واتهامات، بأنه "محاولة انقلاب سياسي وقفزة نحو المجهول".

 

وقال بالحاج لـ "العرب" إن ما قاله الشاهد هو "إيغال في الهروب إلى الأمام إلى حد الارتماء في أحضان حركة النهضة، وهذا يُعد بمثابة عملية انتحارية غير محسوبة النتائج لا سيما في هذه المرحلة الحرجة".

 

وتكاد غالبية القوى السياسية تُجمع على أن الشاهد، استقوى بحركة النهضة في إطلاق مثل هذه المواقف التي وُصفت بـ "الاستفزازية"، ولكنه أساء أيضا تقدير الموقف باعتبار أن حركة النهضة لن تتركه يدفع بالجميع إلى الحائط، لا سيما في هذه الفترة التي تبدو فيها هذه الحركة الإسلامية بحاجة إلى استمرار التوافق مع حركة نداء تونس.

 

وتقول إن كل الدلائل تذهب إلى استبعاد إمكانية استمرار حركة النهضة الإسلامية في دعمها السياسي والمعنوي ليوسف الشاهد، الذي يُنتظر أن يجد نفسه قريبا فاقدا لكل مقومات الصمود السياسي والاجتماعي، باستثناء إمكانية الذهاب نحو تأسيس حزب جديد، وهي فكرة بدأت تتردد على وقع هذه الأزمة.

 

ويرى بالحاج في تصريحه لـ "العرب"، أنه بقدر خطورة الوضع الذي تسبب فيه الشاهد بمواقفه التي فيها الكثير من "التعنت"، في ظل الاستقواء بدعم حركة النهضة، فإنه بالقدر نفسه يفتح الباب أمام الإسراع لوقف تدحرج الموقف نحو الدخول في مأزق خطير يُدرك الجميع أن البلاد في غنى عنه.

 

وتوقع في المقابل، أن تشهد تونس بعد عودة الرئيس السبسي من باريس، إعادة تفعيل المساعي لعقد جلسة مفاوضات جديدة للأطراف المعنية بوثيقة قرطاج2، وتكثيف المشاورات سعيا إلى تبريد الأجواء، وبلورة مخرج يُنهي هذا الانسداد.

 

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الصراع السياسي، الذي يختزل تدافعا مُعقدا بين مراكز النفوذ الرئيسية في البلاد لرسم توازنات جديدة، لم يخرج بعد عن السيطرة، حيث لم تصل الأمور بعد إلى خلط جميع الأوراق وتغيير قواعد اللعبة، رغم ضراوته واحتدام اصطفافاته وتصدعاته.

 

نقلاً عن صحيفة العرب اللندنية

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية