قُبيل الضربة الأمريكية البريطانية المزدوجة على مواقع لمليشيا الحوثي في اليمن، تركت سفينة "بهشاد" الإيرانية موقعها في البحر الأحمر وعادت أدراجها مُبحرةً نحو ميناء بندر عباس، بعد رسوها لثلاث سنوات في ذات المنطقة، ظلت خلالها تقدم الدعم الاستخباري والمعلوماتي لمليشيا الحوثي.

كانت هذه المغادرة بمثابة هروب إلى الخلف، جسّدت انسحاب إيران من مشهد المواجهة المرتقب بين التحالف الدولي المُشكل في البحر الأحمر ووكلائها في اليمن "الحوثيين"، الذين تورطوا بإملاءات من طهران ذاتها في مهاجمة خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، المضيق البحري المهم الذي يربط شرق العالم بغربه.

ادّعى الحوثيون أن هجماتهم، التي استخدموا فيها أسلحة إيرانية، غرضها نُصرة الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يتعرضون لإبادة جماعية من قِبل الاحتلال الإسرائيلي؛ لكن هذه الهجمات أضرت بالعالم كله ما عدا الاحتلال الإسرائيلي، ما يفسر الغرض الدعائي لهذه الهجمات التي قصد الحوثيون من ورائها تبييض صفحتهم السوداء وكسب تعاطف المجتمعات العربية بادعاء الوقوف إلى جانب فلسطين.

أخذ التصعيد الحوثي في البحر الأحمر يطرق هواجس القلق العالمي، بعد تحويل أغلب شركات الشحن الدولية مسارها بعيدًا عن البحر الأحمر عبر رأس الرجاء الصالح، ما فرض أعباء إضافية على تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما جعل العالم برمته يتنبه إلى مستوى الخطر الذي زرعته إيران في ضفة باب المندب.

كانت الهجمات البريطانية الأمريكية، خلال يومين متتابعين، اختبارًا لجدية إيران في الوقوف مع وكلائها في اليمن؛ لكنها تركتهم بلا ظهر في مسرح المواجهة، رغم التطمينات التي قدمها وزير الخارجية الإيرانية "حسين أمير عبداللهيان" لممثل زعيم المليشيا "محمد عبدالسلام" بعدم التخلي عن الجماعة، في زيارته الأخيرة إلى طهران عقب مقتل 10 حوثيين بغارة مروحية أمريكية استهدفت ثلاثة قوارب في البحر الأحمر. ونقلت وكالة رويترز عن مصدرين إيرانيين مطلعين "أن طهران لا تريد التدخل المباشر".

وقال مصدر إيراني ثالث، "وهو مسؤول كبير طلب عدم نشر اسمه" وفقًا لرويترز؛ إن "طهران لا تريد حربًا شاملة في المنطقة"، أي أن إيران تتفادى الوقوع في الورطة التي دفعت إليها الحوثيين عوضًا عنها، غير أنها تركتهم في نهاية المطاف عُراة في عرض البحر تجلدهم الهجمات الغربية.

رويترز نقلت عن جريجوري برو، المحلل في مجموعة أوراسيا الاستشارية، قوله؛ إن طهران ما زالت تخشى اتساع نطاق الصراع لأنها لا تريد "التعرض مباشرة لانتقام محتمل".. مضيفًا: "لا يرجح أن تُقدِم إيران على تصعيد كبير ردًا على هذه الضربات".

حزب الله- الوكيل المهم لإيران في الضاحية الجنوبية من لبنان- اعتبر، هو الآخر، أن المشكلة في البحر الأحمر من شأن الحوثيين ولا علاقة للحزب بها، وأن الرد على ما تعرض لها الحوثيون مسؤوليتهم وحدهم.

ظلت إيران حليفًا عضيدًا لمليشيا الحوثي عندما تعلق الأمر بقتل اليمنيين وتدمير بلدهم واستهداف دول الجوار، وفي اللحظة الملائمة لاختبار مزاعم شعارات "الموت لأمريكا" الإيرانية، نأت طهران بنفسها بعيدًا وتركت الحوثيين وحيدين يجنون ثمار ورطتهم في استهداف الملاحة، ما يؤكد التخادم الإيراني الأمريكي وتبادل الأدوار في المنطقة.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية