بالصدفة، وجد مهيب نفسه أمام عملية بحث مستمرة تجذبه بشغف نحو فن جديد ومبتكر. وبفضل إصراره وجهده الجهيد، استطاع أن يصبح أول شاب يمني يتقن فن الرسم بالخيط (الفيلوغرافيا) في فترة زمنية قصيرة جدًا، محققًا إنجازًا مذهلاً.

مهيب عبده، البالغ من العمر 23 عامًا، يعيش في محافظة صنعاء، يتميز بمواهب متعددة وإنجازات مذهلة؛ فإلى جانب تخصصه في قسم طب الأسنان، يتمتع بموهبة فنية فريدة، تتمثل في استخدام الخيط والمسامير بدلًا عن الريشة والألوان في فن الرسم، ما يُعرف باسم "الفيلوغرافيا"، وتصل سعر لوحاته إلى 1000 دولار، كما يتمتع أيضًا بمهارات استثنائية في فنون الخفة، ويقدم خدعًا بصرية مدهشة على المسرح وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الأماكن العامة. ولا يقتصر إبداعه على ذلك، فهو لاعب محترف في رياضة الباركور والتركز، ويمتلك خبرة تزيد عن عشر سنوات في هذا المجال.

صدفة ملهمة

يقول مهيب لوكالة "2 ديسمبر": "عندما أردت أن أهدي شخصًا عزيزًا على قلبي هدية مميزة، قررت صنعها بيدَي، وذلك لأنني أعتقد أن الهدايا المصنوعة يدويًا تحمل قيمة ومعنى أعمق. قررت أن أكتب اسمه بتقنية ثلاثية الأبعاد، باستخدام الخيط والمسامير. وبينما كنت أجرب وأتعلم، اكتشفت أن هناك تشكيلة تبدو وكأنها جاهزة للعرض، تنبض بالجمال والتفرد".

سعى مهيب بقرار حاسم إلى البحث عبر الإنترنت عن طرق فريدة وجذابة لإبداع أعمال فنية تحمل قيمة خاصة، وتكون مثالية كهدايا.

وخلال رحلته في البحث، عثر على شاب روسي مبدع يستخدم الخيط والمسامير لتشكيل صور وأشكال مذهلة على ألواحٍ فنية.. لم يمر هذا الإبداع عابرًا على مهيب، فقد ألهمه بشدة وأثار إعجابه الشديد، مما دفعه للانطلاق في رحلة تعلم استثنائية لاكتساب المهارات اللازمة في فن الفيلوغرافيا.

بفضل تصميمه وإصراره، نجح مهيب في تحقيق تقدم رائع، وأصبح محترفًا في هذا الفن الفريد خلال وقت قصير يقل عن عام واحد.

بداية رسام

وجد مهيب شغفه في طفولته واستطاع اكتشاف هويته الحقيقية وتحديد مساره المستقبلي؛ فبذل جهودًا جبارة، وسعى بجد لتحقيق أحلامه وطموحاته.. فمنذ صغره كان يرسم الشخصيات الكرتونية وتطورت مهاراته في ذلك المجال حتى أصبح محترفًا، لينتقل إلى رسم الصور الشخصية، حتى اكتشف موهبته في الفيلوغرافيا، التي أتقنها وحقق فيها شهرة واسعة.

"أولى لوحاتي الفنية التي رسمتها بالخيط، كانت صورة للفنان أبو بكر سالم، وكان هذا أول إنجاز حققته، ولهذه الرسمة مكانة خاصة في قلبي؛ كونها لوحتي البكر في هذا الفن".. يروي لنا مهيب قصته، بفخر.

جمهور الرسم

يتحدث مهيب عن تلقي المجتمع لهذا الفن، قائلًا: "عندما أفكر في جهل المجتمع بالجوانب الفنية وعدم وعيه بالقيمة الحقيقية للموهبة، وما الذي يمكن أن يحققه صاحبها، أشعر بالإحباط والتراجع. ومع ذلك، فإنني سرعان ما أستعيد حماسي وأندفع بقوة نحو تحقيق الأهداف التي أسعى إليها".

يوضح أن بعض المحيطين به يستهزئون بفنه ويقللون من قيمة موهبته، برغم أنه يقضي ساعات طويلة في الرسم؛ فهم يرون هذه الموهبة عديمة الجدوى، في حين يرى البعض الآخر أنه ساحر بسبب مهاراته في الخدع البصرية وألعاب الخفة التي يقدمها.. يتلقى تعليقات سيئة ومحبطة بشكل كبير، على الرغم من أنه في أمسّ الحاجة إلى الدعم النفسي لتعزيز طاقته الإبداعية.

ومع البيئة المحبطة التي عاش بها مهيب، والجانب المادي الشحيح الذي شكل له عائقًا آخر، إلا أنه استطاع بفنه أن يثبت ذاته بجدارة ويحقق نجاحًا مبهرًا.

مواهب في قلب الحرب

يرى مهيب أن اليمن حافل بالمواهب المدفونة؛ لكن عدم إيمان معظم اليمنيين بها ساعد على ذهابها أدراج الرياح، مع أنها قد تكون مصدر دخل يحسن وضعهم المادي وينهض بالبلاد.

"أثناء فترة الحرب، برزت مواهب عديدة في اليمن على الصعيد المحلي والعالمي، حيث تمكنت من الظهور بفضل الفرص التي أُتيحت لهم. ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من المبدعين اليمنيين الذين يبحثون عن فرص لتسليط الضوء على مواهبهم".. يقول مهيب.

لم يكتفِ مهيب بما وصل إليه من إبداع وطموح؛ بل يسعى لأن يُدرج في موسوعة جينيس. ويؤكد ثقته بأن عزيمته وتصميمه، سيمكنانه من تحقيق هذا الحلم بغض النظر عن التحديات التي يواجهها.

يقول مهيب: "بفعل جهودي الشخصية والدعم المعنوي القوي الذي قدمته لي عائلتي، وصلت إلى المكانة التي أنا فيها الآن. هذه العوامل هي ما يحتاجه كل إنسان موهوب للتقدم والخروج إلى العالم، وممارسة مهاراته وتطويرها بشكل أفضل".

الفيلوغرافيا

الفيلوغرافيا هو فن عثماني قديم يشمل إدخال وترتيب الأسلاك والخيوط على لوح خشبي بشكل إبداعي وجميل لتشكيل نقوش وزخارف مدهشة.

يتطلب هذا الفن مهارة فنية عالية ودقة في التصميم والتنفيذ، ويتميز بقدرته على إبراز التفاصيل الدقيقة وإضفاء لمسة فنية فريدة على العمل النهائي.

وعن تجربته في هذا الفن يحدثنا: "عند رسمي للشخصيات المشهورة، أقوم بدراسة تفاصيل حياته من بدايتها حتى اللحظة كي أشعر بها أيضًا وأعكسها في التفاصيل والملامح".

ويختم قصته الملهمة التي شاركها مع "وكالة 2 ديسمبر"، بأن فن الفيلوغرافيا شديد التعقيد وبالغ الصعوبة بالنسبة لبقايا فنون الرسم. لذا فهو نادر جدًا، مشيرًا إلى أنه يستغرق 7 أيام، بمعدل 7 ساعات يوميًا، لرسم لوحتين.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية