لأسباب صارمة تتعلق بإيمان الأغلبية الساحقة من الشعب اليمني بالنظام الجمهوري، وبشاعة التاريخ الإمامي في الوعي والذاكرة الجمعية في اليمن.. لا تجرؤ المليشيا الحوثية- في الوقت الراهن على الأقل- على الإعلان رسمياً عن تغيير اسم النظام في صنعاء إلى "النظام الإمامي".
 
يدرك القائمون على هذه الحركة أيّ رفضٍ شعبي جارف سُتقابَل به مثل هذه المحاولة، حتى من المغرر بهم في صفوفهم. وهذا ما يجعل هذه الجماعة تتمسك حتى اليوم-رغم تبنيها وإقامتها للنظام الإمامي بشكل عملي في مناطق سيطرتها- بالمسمى الجمهوري للنظام.
 
متطلبات المرحلة تملي عليها مثل هذا الوضع، وهو وضع غير طبيعي، لا يستند على دستور أو عقد اجتماعي من أي نوع: رئيس شكلي لجهاز إداري بلا صلاحيات، ومليشيات تدير الأمور من خارج الدولة، تبعاً لـ"مرشد- إمام" يدير كل شيء من كهف مجهول!
 
لن يستمر هذا الوضع الاستثنائي طويلاً، فهو بلا شك تكتيك مرحلي مؤقت للإجهاز تحت العلم الجمهوري على ما تبقى من النظام الجمهوري، ضمن استراتيجية ستؤدي حتمًا- في حال لم يتم إسقاط هذا الانقلاب، واستعادة الدولة خلال الفترة القادمة- إلى أحد احتمالين:
إمّا أن تقوم هذه الجماعة بإعلان النظام الملكي الإمامي رسمياً في صنعاء، وهذا لن يتم إلا بعد أن يصل الشعب اليمني إلى درجة من الذل والقهر والغلب.. لا يمكنه معها التوحد في رفض عام عارم.. وفي هذه الحالة سيكون التاريخ قد أعاد نفسه على شكل مهزلة.
 
وإمّا أن تقوم بتقنين هذا الوضع العجيب "جمهورية إمامية" من خلال إعلان دستوري، بما يشبه نظام "الجمهورية الإمامية" في إيران. وفي هذه الحالة سنكون أمام كوميديا سوداء: نظام توفيقي تلفيقي "فرانكشتايني".. هو بكل المقاييس أكثر رداءة وانحطاطاً من النظام الإمامي نفسه!
 
لا معنى لشيء اسمه "الجمهورية الإمامية"؛ فالنظام "الجمهوري" والنظام "الإمامي" نظامان متضادان سياسياً وإيديولوجياً، ومتناقضان في المرجعيات والتصورات والتجليات والممارسات والتوجهات.. ولا يمكن الجمع بينهما إلا في تجربة كهنوتية من "التُّقية" والبرجماتية الذرائعية، كالتجربة الحوثية.
 
وبطبيعة الحال، هذه التجربة لن تدوم طويلاً؛ كونها خارجة عن إرادة الشعب، ومنطق العصر، وفلسفة الحكم، وسنن الحياة.. نحن هنا أمام أيديولوجية مناقضة للديمقراطية، ونظام معادٍ للنظام الجمهوري، ولا يمكنه في أحسن الأحوال القبول بالشعب إلا كخدم، ولا بالديمقراطية إلا كخدعة، ولا بالنظام الجمهوري إلا كقناع.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية