تخالج المتتبع للأزمة اليمنية والحرب الدائرة، الدهشة من تناقض أساسي بين الوعي العملي للأطراف بطبيعة المعركة وبين الطرح الإعلامي السياسي، إذ أن الحالة اليمنية أفرزت تيارين رئيسيين، الأول وطني جمهوري حداثي، والثاني حوثي إمامي رجعي، أما المشكلة فتتركز في التيار الأول المتفق في خطابه الإعلامي السياسي على أن الخطر على مكوناته وعلى البلد يتمثل في الحوثي كمليشيا أضافت إلى تخلفها تبعية غير مشروطة لإيران تحت عنوان "محور المقاومة" أو مناهضة الاستكبار العالمي وما إليه من شعارات أثبتت الوقائع على مدار أربعة عقود زيفها وخداعها.
 
للأسف أن الموقف النظري من المليشيا الحوثية، والخطر الإيراني خلفها، غير مترجم في سياسات على أرض الواقع وفي الميدان الحربي، لعوامل يمكن تلخيصها بطبيعة الصلات مع الخارج، واستقدام سلبيات العلاقات الماضية بين المكونات الوطنية، ووضع السياسة أولوية تسبق الميدان العسكري في لحظة حربية بالأساس.
 
بالتأكيد الخلافات على خارطة القوة والنفوذ والمكاسب السياسية لما بعد الحرب، من الموضوعات الواردة، ولكنها في كل الأحوال ترتبط بالتفاصيل، لا بالمبادئ من قبيل الإجماع على استعادة النظام الجمهوري، والمسار الديمقراطي والانتخابي، والإطار الدستوري المتوافق مع القيم الحديثة وملاءمتها للشخصية والهوية اليمنية ببعديها العربي والإسلامي.
 
 إضافة إلى أنه مهما بلغت خلاقات التيار الوطني الجمهوري فإن من الممكن استيعابها سواء في مشاورات الترتيبات لفترة انتقالية أو أثنائها أو حتى بعد انتهاء الوضع الانتقالي بانتخابات، كما كان يتم قبل التمدد والسيطرة الحوثية، وتمتلك التجربة السياسية لذلك التيار الوطني بمختلف مكوناته من المخزون ما يؤهله لرسم توافقي للمشهد اليمني القادم.
 
لعل الوعي النظري والعملي بمبادئ المسيرة الوطنية في العقود الأخيرة هو ما جعل المقاومة الوطنية وقيادتها برئاسة العميد طارق صالح تحظى باهتمام شعبي داخلي، وسياسي خارجي، لاسيما عقب إعلانها عن تشكيل مكتب سياسي.
 
وفي المضمار بالإمكان ملاحظة وقع حديث قائد المقاومة عن مأرب مع مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بحضور ومشاركة شخصيات إعلامية وسياسية من مختلف بلدان العالم، ومؤخرا خلال ترأسه اجتماعا لقادة ألوية حراس الجمهورية (المقاومة الوطنية) بمناسبة الذكرى الثالثة لانطلاق عملياتها العسكرية في الساحل الغربي اليمني.
 
كان تقدير قائد المقاومة لبطولات مأرب واستعداده للمساندة العسكرية واضحا لا مواربة فيه، ومن الصعب إدراجه في إطار المزايدات السياسية كون الكلام أشار إلى ترجمة عملية للموقف المعلن بإرسال طلبات بالمشاركة في معركة مأرب للسلطة التنفيذية الشرعية وقيادة وزارة الدفاع، دون أن يقابل التصريح بنفي من مصدر رسمي.
 
عبر موقف المقاومة الوطنية عن وعي مرتفع بحقيقة واحدية المعركة ضد المليشيا الحوثية التابعة لإيران، وأهمية استثمار كل الطاقة الوطنية لخدمة أهداف هذه المعركة التي تمثل محل إجماع من المكونات الجمهورية، بعكس ما نلمسه من حملات تشكيك ومساعي بث الفرقة بين المقاومة والقوى الوطنية الأخرى حتى في الساحل الغربي ذاته.
 
لا ريب أن لأي حرب عسكرية أغراضا سياسية عامة وخاصة، إلا أن المؤشر الوطني يقدم العامة على الخاصة، ولا يغرق في سياسة الغرف على حساب الميدان العسكري في لحظة قتالية محتدمة.
 
أوليس من الإجحاف في حق الوطن وتضحيات أبنائه في الميدان تعطيل قوة عسكرية نوعية بعشرات الآلاف من المقاتلين المدربين في المقاومة الوطنية ورفاقهم في القوات المشتركة، بوقف جبهة الساحل الغربي في اتفاق ستوكهولم، ثم عزلها عن معارك الجبهات على الساحة الجغرافية للحرب.
 
 كيف كان لمليشيا الحوثي أن تستمر في تحكمها بتوقيت وإطلاق العمليات الحربية في مختلف الجبهات لو أن كل الطاقات العسكرية الجمهورية مستثمرة بالصورة الصحيحة.

أخبار ذات صلة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية