كان الهدوء يملأ المكان، إلا من صوت الرياح العاصفة، أو طفلٍ جائعٍ يعبر عن حاجته للطعام بالبكاء، في قلب المشهد، وعلى شرفة البحر أطفالٌ يلعبون حفاةً في ظل خيمة متهالكة، يبحثون عن فرصتهم للعب، ثم ينصرفون إلى أعمالهم، إما إلى رعي الماشية، أو جلب المياه إلى أسرهم من آبار القرية.
 
كنا هناك في الدريهمي، المديرية الواقعة جنوب محافظة الحديدة، حيث يُحاصر بعض سكانها من الطعام والماء والدواء، من قبل مليشيا الحوثي، ويجبرون على البقاء في المقدمة ليكونوا دروعًا بشريةً، تحتمي من ورائها جماعة الشر الحوثية.
 
لفت انتباهنا طفلٌ يتعثر في المشي بقرية الجريبة، إحدى قرى الدريهمي، حيث شهد المكانُ عشراتِ الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الحوثي، مخلفةً ضحايا في صفوف الأبرياء، بعضهم قتلى وآخرون جرحى، وثمة من نزح أو شُرد، أو تقطعت به السبلُ في مناطق أخرى.
 
إنه الطفلُ حسن، لاحظناه يتجول في أروقة الحي المبني من القش وسعف النخيل والأعمدة الخشبية، لديه عكازٌ يعوضه عن قدمه، التي أصابتها شظية جسم متفجر من مخلفات مليشيا الحوثي الإرهابية.
 
حينما كان الطفلُ حسن يلعب مع أقرانه، عثروا بين منازل القش على لغم حوثي لم يعرفوا ماهيته في البداية، ثم ظنوه لعبة، فحاولوا استغلال هذا الجسم الغريب في تطوير لعبتهم، وتناولوه من طفلٍ لآخر، حتى انفجر ليسفر عن مقتل طفلة وإصابة آخرين، من بينِهم حسنٌ وشقيقته.
 
كانت فرصةُ السفر قد هُيأت لحسن، لينتقل إلى الأردن ويتمَ علاجه هناك، لكن إجراءاتِ وقيودَ السفرِ التي فرضتها الدولُ مع تفشي فيروس كورونا، حالت دون سفره حتى اليوم.
 
لقد كان الجسم المتفجر الذي سبب هذه الكارثةَ مزروعا داخل المنزل، وليس في الخارج، لتقود الجريمة الحوثية الأهالي بعد وصولهم الحي الجديد، إلى العثور على متفجراتٍ متنوعة وذخائرَ مجهزةٍ للانفجار بداخل منازلهم.
 
تحدث والد الطفلِ حسن لـ"2ديسمبر" بلكنة تهامية مشبعةٍ بالكمد والحزن، كيف لا وهو يرى طفله أمام عينيه يعيش العذاب والمعاناة، وقد فعل لأجله الكثير، وما زال بحاجة للمزيد، حتى يراه وقد عاد إلى حياته الطبيعية، وتجاوز وضعَ الإصابة التي سببتها جريمةُ المليشيا الحوثية.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية