في السابع عشر من يوليو العام 1978 انتخب مجلس الشعب التأسيسي المقدم علي عبدالله صالح رئيسا للجمهورية العربية اليمنية، في ظروف محلية وإقليمية ودولية معقدة، شهدت اغتيال رئيسين سابقين في أقل من سنة، وفي ظل توترات في اليمن الجنوبي، وقتها، أدت إلى مقتل الرئيس سالمين وصعود التيار المتطرف في التنظيم السياسي الموحد (الحزب الاشتراكي فيما بعد) بقيادة عبدالفتاح إسماعيل داعية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية بقوة السلاح والمد الثوري الماركسي، ناهيك عن أجواء الحرب الباردة وانعكاساتها الإقليمية.
 
تسلم صالح السلطة مع تركة ثقيلة من المشكلات السياسية والاقتصادية تتربص بأي مشروع يرمي إلى خلق أرضية يمنية مستقرة.
 
واقع داخلي يتسم بطغيان القبيلة كفاعل اجتماعي وسياسي سواء بشكل مستقل أو بتوغله في أجهزة الدولة، وجيش وأمن ضعيفا التنظيم والتدريب، والعدد والعدة، وقوى سياسية متناحرة يمثل العنف أداة مشروعة في سياساتها، وجبهة ماركسية مدعومة من الجنوب رفعت السلاح في وجه الدولة، أما الاقتصاد فموارد شحيحة وتنمية شديدة التواضع، لتتضافر جميعها في زعزعة الأقدام الهشة لكرسي الحكم وتؤثر لحد كبير على استقلالية القرار الوطني، وتجعل الولوج إلى دائرة الرئاسة مغامرة حقيقية، سرعان ما تأكدت، وتفجرت في وجه الرئيس الجديد محاولة الانقلاب الناصري والحرب بين الجنوب والشمال اليمنييَن.
 
تجاوز صالح الاختبارات الأولى لرئاسته، ووقف أمام مهمات كانت تبدو شبه مستحيلة، في واقع كالواقع اليمني ومن شخص متواضع التعليم والخبرات السياسية، إلا أنه أثبت حنكة سياسية متميزة وذكاء فطريا أهّلاه لإدراك مبكر للعلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، فعمل على المسارين.
 
في السياسة هدّأ صالح العلاقة مع الجنوب وبنى اتفاقات وحدوية مستفيدا من محاولات سابقة تعثرت، وقاد حوارا سياسيا داخليا أسفر عن لملمة المكونات السياسية في إطار المؤتمر الشعبي العام، كجبهة سياسية موحدة، وأنهى مشكلة الجبهة الوطنية الديمقراطية المسنودة ماركسيا، واستثمر ظروفا داخلية وإقليمية ودولية في قيادة عملية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية مع أمين عام الحزب الاشتراكي علي سالم البيض، وما زامنها من قفزات ديمقراطية.
 
وخارجيا، عمل صالح على إيجاد علاقات يمنية متوازنة مع الإقليم والعالم، وامتص تداعيات حرب الخليج الثانية، وعالج أزمة أرخبيل حنيش سلميا لصالح اليمن، وسوَّى مع الجيران المسائل الحدودية، بحرا وبرا وفق التراكمات التاريخية والأعراف الدولية.
 
الاستقرار السياسي وفر قاعدة ملائمة للمسار الاقتصادي اللازم، بالمقابل، لاستقلال القرار السياسي، غير أن الاستثمار في البينة التحتية وإطلاق عملية تنموية يحتاج إلى تمويل ذاتي بدرجة أساسية، خصوصا مع صورة الاضطرابات السياسية الماضية غير المشجعة على جذب رؤوس الأموال، فاضطر صالح للاستمرار، مؤقتا، في الاعتماد على المساندة المالية للأشقاء وبنفس الوقت توجه إلى استغلال الموارد الطبيعية اليمنية لتمويل التنمية الاقتصادية واستقلال القرار الوطني، وفعلا بدأ الإنتاج والتصدير النفطي من مأرب في النصف الثاني من ثمانينيات القرن المنصرم، لحقته بعد الوحدة استثمارات نفطية وغازية، عززت الاعتماد على النفس في مسيرة تنموية ظهرت في مشاريع بنية تحتية وخدمية واستثمارية نشير إلى بعضها بالأرقام.
قاد صالح عملية تداول سلمي للسلطة العام 2012مخلفا وراءه تركة تنموية في اليمن تتضمن: 16251 مدرسة، 111 معهدا مهنيا وتقنيا وصناعيا، 11 جامعة حكومية تضم 108 كليات متنوعة، 13300 منشأة صحية، 16412 كيلو متر من الطرق الإسفلتية و 75600 كيلو متر من الطرق الحصوية والترابية، 198 ملعبا منها 12 ملعبا دوليا، 30 صالة رياضية، 24 ميناءً ومطارا، 1378 ميجا من الكهرباء، وغيرها من المشاريع في المجالات المياه والاتصالات والمشروعات الزراعية والصناعية، بما فيها تحويل اليمن إلى وضعية اكتفاء ذاتي في إنتاج الخضروات والفواكه، وتصدير جزء منها. 
 
بالموازاة، هل ارتكب صالح أخطاء؟ نعم بالتأكيد، فلا وجود لنظام كامل إلا في مخيلة الفلاسفة، ولعل أهم الأخطاء عدم بذل جهود كانت ضرورية تركز على إعادة بناء الشخصية اليمنية وفق القيم العصرية دون التفريط في المكونات الرئيسية للهوية وتنظيفها من عوالق التخلف والإعاقة.
 
في كل الأحوال برهنت الأيام منذ سنة 2011 أن سيئات نظام صالح أفضل من خيرات اللاحقين.
يا ليت جور بني مروان عاد لنا .. وأن عدل بني العباس في النار.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية