ميزان العدالة في العاصمة المختطفة صنعاء، تُكسر شوكته أمام قيود الحرية، وسجون الكهنوت.
 
على الرغم من انعدام الأدلة والمسوغات القانونية للاعتقال، لا تزال انتصار الحمادي- ذات العقدين من العمر- خلف القضبان للعام الثالث على التوالي، تعاني من التعذيب وويلات السجن، وتصارع العذاب النفسي والجسدي والمعنوي في حظيرة لا ترقى لحجز الدواب، فكيف بالبشر!! 
 
مورست بحقها، وحق إنسانيتها أبشع أنواع التعنيف اللفظي والجسدي، والذي كان أقله الضرب العنيف على الوجه، والمفاصل، من قِبل سجانات وبعض سجينات مرتزقات في السجن المركزي؛ ما دفعها إلى محاولة الانتحار مرات عديدة، علها تخفف بعضًا من عذابها المفروض عليها من قِبل أناس تخلوا عن بشريتهم وإنسانيتهم، وكانت تلك المحاولات في فترات عديدة، آخرها بتاريخ 19 يونيو 2021 بعد تحويلها بقرار من إدارة السجن المركزي التابعة لمليشيا الحوثي لقسم الدعارة والفجور، حسب تشخيصهم للأعمال الفنية والدرامية المكفولة بجميع الأعراف والحقوق الدولية والعالمية. وعلى الرغم من انعدام الأدلة وعدم صحة مزعوم الاعترافات المتناقضة عقلًا وفطرة، وعلى الرغم أيضًا من عجز الادعاء العام (النيابة العامة)، عن إثبات التهم المنسوبة إليها؛ إلا أن النيابة تحولت من خصم شريف في القانون، إلى خصم لدود لكافة الحقوق والحريات الإنسانية، وتعاملت مع القضية بشخصنة وعدائية مفرطة، وحمّلت القضية عاطفتها المتخلفة والرجعية، متناسية القوانين والمواثيق الدولية التي لا ترى تلك الرؤية الرجعية لمثل تلك الأعمال المنسوبة لسجينة الرأي والفن، انتصار الحمادي؛ الشيء الذي أدى إلى تفاعل واسع وحميد من أحرار الرأي العام بعد تسريب الخبر لكاتب هذا التقرير، والذي بدوره صرَّح ببلاغ للرأي العام والصحافة والإعلام، وتم الضغط على السلطات وإدارة السجن للكشف عن حالة الفتاة الصحية بعد أن تم التحفظ على الأخبار واتخاذ قرار جائر بمنع الزيارات القانونية لها، وتحويل جميع الضباط المناوبين في السجن المركزي والسجانات للتحقيق على خلفية تسريب الخبر وتم إهمال حالتها الصحية!
 
في تاريخ 24 مايو 2021، تم السماح للجنة مكونة من حقوقيين ونواب وصحافيين لزيارتها والاطمئنان عليها وعلى صحتها، والتأكد من الإجراءات المتبعة خلف القضبان وحالة السجناء والسجن عمومًا، وكان من ضمن اللجنة القاضي والبرلماني (المتحوث) أحمد سيف حاشد وزميله عبدالوهاب قطران، والصحفية وداد البدوي، وآخرون بمعية المحامي خالد الكمال- أحد محامي الدفاع- وبتنسيق كامل من كاتب التقرير، وعندما تحدثوا مع السجينة المكلومة انتصار الحمادي تم معرفة السبب الحقيقي للاعتقال.
 
يوم اعتقالها والسبب الحقيقي لاعتقالها
 
في يوم الجمعة 20 فبراير 2021، وقرابة الساعة التاسعة مساء، استحدث رجال الأمن والمخابرات التابعين لمليشيا الحوثي نقطة للتفتيش جوار مقر عمل السجينة، وهي نقطة غير قانونية لا يحق استحداثها إلا في حالة مرور البلد بحرب ضارية، تم إعلان حالة الطوارئ فيها، ومن هذه النقطة اللا قانونية تم إيقاف السجينة بصحبة سائقها في سيارتهم الخاصة، نوع (شفرو ليت 2009)، والسيارة الخاصة عرفًا وقانونًا تحمل حرمة السكن الخاص، لا يحق لرجال الأمن إيقافها دون مبرر، ولا تفتيشها إلا بناء على أوامر صحيحة مبنية على أدلة قاهرة مقدمة من النيابة العامة، وهذا ما لم يتم فعلًا، وحصل في هذه النقطة انتهاك صارخ للقوانين الإجرائية في الضبط والتفتيش، والتي سنها المقنن لحماية الحقوق والحريات الخاصة.
 
لم تنتهِ الانتهاكات عند هذا الحد، بل تجاوزت ذلك إلى تعدي مبادئ العدالة في تحديد الاختصاص المكاني والنوعي لمثل هكذا تحريات، فقام رجال الأمن والمخابرات الحوثيين باقتياد السجينة إلى مكان مجهول، وتم- طوال عشرة أيام- ممارسة أقسى أنواع التعذيب النفسي معها في جلسات التحقيق المظلمة، والتي أُجبرت فيها على التوقيع والإقرار بأقوال واعترافات لا أساس لها من الصحة، ولا تعلم عنها شيئًا، ودفعها إلى التبصيم عليها رجاء التخفيف من آلامها المتواصلة، والتي كانت تُجر إليها جرًا معصوبة العينين، وفوق رأسها سجانوها المتجبرون، ومخالفة الاختصاص المكاني للضبط من الانتهاكات الصارخة للقانون المتعلقة بالنظام العام، والتي يجب فيها على المحكمة العليا؛ كونها محكمة رعاية وصيانة القانون وتطبيقه التطبيق السليم، أن تقوم بواجبها في وقف هذا الانتهاك، وردع المتسببين فيه، لكن الواقع المرير أثبت تحطم شوكة ميزان العدالة أمام حرية سجينة الرأي والفن (انتصار الحمادي الفنانة وعارضة الأزياء اليمنية).
 
وفي دهاليز الأمن والمخابرات الحوثية، جرت محاولات الابتزاز، وطُلب منها طلب غير قانوني، بالتعرف على شخصيات نافذة لا تعرفها، وبهذا الطلب قام رجال الأمن الحوثيين بتعدٍّ جديد للقانون، وأقاموا أنفسهم مقام القضاء، وعاملوا متهمة ظلمًا، معاملة مدانة محكومة بحكم نافذ غير قابل للطعن!
 
كما أكد محامو الدفاع أنه تم إخفاء السجينة لعشرة أيام في سجن تابع للبحث غير المختص مكانيًا، ثم جرى إحالتهن ليلًا وفي غير أوقات نقل السجناء قانونًا، إلى النيابة المناوبة بدلًا من الانتظار حتى الصباح؛ الشيء الذي يؤكد محاولة رجال الأمن إخفاء جريمة احتجاز غير قانوني في جهة غير مختصة مكانيًا، وأرادوا بعدها إيداعهن دار إيواء تابع لاتحاد نساء اليمن، والذي قوبل من قِبل إدارة الاتحاد بالرفض- كعادتهن في عدم التجاوب مع أي قضايا بالسلب أو الإيجاب- وتم احتجازهن لأسبوع آخر ومن ثم تحويلهن للنيابة المختصة مكانيًا، ولم يتم السماح للمحامين بالاطلاع على ملف القضية للقيام بواجب الدفاع المكفولة شرعًا وقانونًا، إلا قبل شهور قليلة!
 
المحامون في القضية:
1- خالد الكمال.
2- صقر السماوي.
3- خالد عثمان الصبيحي.
4- أمين الباروت.
 
 سبب الاعتقال الحقيقي: 
عندما وصلت اللجنة المكونة من حقوقيين ونواب وصحفيين، حدثتهم انتصار الحمادي عن السبب الحقيقي لاعتقالها وزميلاتها، وهو: أنه تم اعتقالها ومن معها لرفضها العمل مع إحدى الخلايا الاستخباراتية لاستقطاب معارضين سياسيين والاختلاء بهم والتصوير معهم في أوضاع مخلة، ليتم ابتزازهم وضمانة ولائهم والسيطرة عليهم! وعندما رفضت عفتها هذا الطلب، جرى بكل حماس كيل التهم إليها، ولُفقت لها جرائم لا يعقل صدورها عمن هي في مثل عمرها!
 
طلب فحص العذرية غير القانوني
 
وبطريقةٍ فجة، تم طلب فحص للعذرية بعد أن عجز الادعاء العام (النيابة العامة) التابعة للمليشيا الحوثية عن إيجاد أي دلائل أو قرائن تدين الفتيات، وتم اللجوء للفحص في 9 نوفمبر 2021! وقد نص قانون الإجراءات الجزائية النافذ في الجمهورية اليمنية على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ويفسر الشك لصالح المتهم، ولا إدانة إلا بناء على أدلة، وهذا كله في المادة الرابعة والتي تليها من القانون المشار إليه.
 
قابلت السجينة ومحاميها هذا الطلب الفج بالرفض؛ كونه طلبًا وإجراء غير قانوني، ومنعدم الإنسانية، ومنتهك لأبسط حقوق البشرية، ولولا تدخل بعض المنظمات الدولية كمنظمة العفو الدولية وتغريدات السفير البريطاني لتم الإجبار على تنفيذ هذا الفحص قسرًا!
 
الرواية التي لم تُحكَ
 
على الرغم من تسليط الأضواء على القضية نسبيًا بعد محاولة الانتحار، ومن ثم كسر أنف انتصار بعد ضرب وتعذيب من قِبل مديرة السجانات (كريمة المروني)، المدعوة بـ(أم الكرار)، في يوم 15 نوفمبر 2022، ولم يُحرك ساكن من أحد إزاء هذا الانتهاك والتعدي الصارخ!
 كذلك لم يأتِ على ذكر الجذور للقضية وكيفية نصب الفخ والاعتقال غير القانوني أحد من الناس، وعم الصمت الرهيب، وساد الخوف في دولة الخوف، ولولا علمنا اليقيني بضيق مساحة حرية الإعلام في هذه الدولة، لأفصحنا عن حقائق وملابسات، لو خرجت لقطع أيادٍ، وأرجل من خلاف، وهم لا يشعرون!
 
سجن لا إنساني وتعامل غير آدمي!
 
في معتقل يسود فيه الظلم والضيم والتعدي على المساجين والمسجونات، كانت الانتهاكات والتعديات السافرة لحقوق الإنسان عمومًا والمرأة خصوصًا، ومنهن وعلى رأسهن السجينة المكلومة انتصار الحمادي، حيث كان يتم وصمهن وشتمهن باستمرار، وتعذيبهن وضربهن من قِبل السجانات وبعض السجينات! وأُجبرن على حلق رؤوسهن، وتشويه جميل طلعتهن، وكسر بهجة طفولتهن أمام مرأى ومسمع من الجميع! وفي ظل صمت خائن، وتواطؤ رهيب..!
في 19 يناير 2022م، تعرضت انتصار للضرب والإهانة وحلاقة شعر الرأس!
وفي 29 أكتوبر 2022م، اشتد مرض انتصار الحمادي، ورُفض إسعافها بالرغم من سوء حالتها وتدهور صحتها الشديد!
وفي يوم 19 أغسطس 2022، تم إسعاف انتصار الحمادي لمشفى السجن لتسمم غذائي حاد متعمد كاد أن يؤدي بحياتها، وتم التكتم والتحفظ على الخبر حتى سُرب إلى كاتب التقرير لخطورته وتم التصريح به للإعلام، والرأي العام؛ للحيلولة من حدوث أي مكروه.
كما تم ضرب انتصار بسلك كهربائي حتى الإدماء، وفقدان الوعي، من قِبل مديرة السجن المدعوة (أم الكرار) في تاريخ 23 يوليو 2022م؛ فضلًا عن لومها لتعاطف الرأي العام والصحافة وتغريدات السفير البريطاني عن الانتهاك والتعدي على حقوق الإنسان الذي يحدث للفتاة كل يوم.
بل؛ ولكثرة التعدي والضرب المبرح، كادت أن تذهب بحياة السجينة المكلومة انتصار، إلى درجة إشاعة خبر موتها بتاريخ 30 يوليو 2022م.
 
السجال القانوني والمحاكمة الشكلية الخالية من مبادئ العدالة
 
في محكمة غرب الأمانة القسم الجنائي الجسيم، وبعد سجال قانوني مليء بالتلفيقات والتهم التي لا أسانيد لها، والاعتماد على محتويات خاصة تم تفريغها من هاتف السجينة، نطق القاضي المتدرب أسامة الجنيد- حوثي- بالحكم الابتدائي يوم الأحد 7- 11- 2021م، بالحبس خمس سنوات للسجينة المكلومة، حكمًا جائرًا استند على اعترافات أُخذت بالقوة، وقرائن ضعيفة لا ترقى لمستوى الأدلة، وشهادات ملغاة قانونًا؛ لصدورها بالمخالفة للقانون، من غير ذي أهل للشهادة، وقوبلت دفاعتها في حيثيات وأسباب هذا الحكم بالرفض، بتسبيب قاصر، بعيد عن المقصود، ومتنافٍ مع المبادئ والأحكام القضائية المعمول بها في القضاء اليمني، والصادرة من المحكمة العليا، وإن نظرة واحدة من قِبل مبتدئ في القانون ستكشف ثغرات قانونية فادحة لا يرتكبها من لا يعرف أدبيات القضاء والتقاضي العادل، كل تلك الثغرات تُركت مفتوحة لم تُسد، وبعد محاولات عديدة- وبشهادة قضاة وقانونيين وحقوقيين مطلعين على المظلومية والضيم الكبير- تم رفع القضية للاستئناف التي تفننت في التطويل والتأخير في البت في القضية:
حددت بشكل رسمي أولى الجلسات في المحكمة الابتدائية وتم تحديد 26 نوفمبر، فـ27 نوفمبر، فـ26 ديسمبر 2022م، ومن ثم تم التأجيل لتاريخ 1 يناير من بداية هذا العام 2023م، وبعدها لتاريخ 5 فبراير!
وأُجلت أيضًا لتاريخ 11 فبراير.. وأخيرًا وفي 12 فبراير، حدثت المهزلة القضائية والانتهاك السافر للدستور والقانون في نطق الحكم الذي تأجل النطق به كثيرًا ليختلف القضاة في الجلسة بالرغم من ذلك!
وبعد التفوه بالكثير من التهم والافتراءات والألفاظ الذي يجرمها القانون الجزائي اليمني النافذ، والتحدث عن الحرب الناعمة وفساد الأخلاق والمجتمعات والتهم التي لم يتم إثباتها.. حُكم بتأييد حكم الابتدائية!
 
كثيرون هم القانونيون الذين استنكروا الحكم وتباين الأحكام وغياب بقية الأطراف والامتناع عن ذكر اسم النافذ الأمني المتورط في القضية؛ فضلًا عن الوقوف بين أيادي العدالة التي بان ميلها وعجزها عن محاكمة النافذين الذين يبدو أنهم فوق القانون!
وحتى اللحظة، لا زال قضاة الاستئناف متمنعين عن التوقيع على محضر التأييد للحكم الجائر، ليتم نقضه في القضاء الأعلى، وإعادة شوكة القضاء المكسورة إلى حالها السليم!
 
مؤخرًا، قبل كتابة التقرير بأيام، وردتنا معلومات خطيرة، أكدتها انتصار في اتصال هاتفي، أبلغت فيها عن أسماء متهمات في قضية زهور وأخواتها اللاتي دُفع بهن لإيذائها، وتم إيصال الشكوى للنيابة العامة والنائب العام، وتم إرسال لجنة للتحقيق في ملابسات الأمر، وتم التحقيق مع المتهمات في الإضرار بانتصار ومحاولة قتلها؛ إلا أنه تم تجاهل المخطط والممول والدافع للمحاولة..! 
كما أنها- حتى اللحظة- معرضة للخطر؛ حيث لم يتم التعامل مع مصدر التهديد!
حسب انتصار الحمادي ومحضر شكواها، فمن حاولن إيذاءها هن:
أمل قدحة
حنان علوي
أسماء الأنسي
وتم التغاضي عن رأس الحية، روضة!
 
أهمية هذه القضية آتيةٌ من التأثير المتوقع منها على ملفي الحقوق والحريات وحرية الصحافة والإعلام في اليمن؛ ولذلك الاهتمام بها كبير إلى حدٍّ ما، الحد الذي لا يمكن فيه الدعم والإنصاف الواقعي، فقط التضامن والتعاطف من وراء الشاشات وفي المواقع!
هذه المظلومية وصمة عار على جبين القضاء قولًا واحدًا.
 

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية